الشيخ محمد السند

277

تفسير ملاحم المحكمات

المرض إليه بالذات وبالأصالة ، وأسند إلى النبيّ عيسى عليه السلام بالتّبع ثانياً . فالقاعدة في إسناد الأفعال الإلهيّة إلى الذات المقدّسة أنّ ذلك الإسناد قد قرّر في القرآن الكريم على أنماط متعدّدة ، أيتارة إلى الذات الإلهيّة ، وأخرى إلى الوسائط من جنود اللَّه في السماوات والأرض ، والفاعل الحقيقيّ هو اللَّه ، والوسائط هي أدوات الفعل الإلهي وهي التي تباشر الفعل ، فإنّ نزع الروح - مثلًا - يكون هناك ارتباط بين الروح النازعة والروح المنتزعة ، والباري تعالى منزّه عن الاحتياج إلى مثل هذا الارتباط ، وإنّما الذي يحتاج إلى مثل هذا الارتباط هو الذي يكون بعيداً . وفي الحقيقة أنّ هذه الوسائط التي هي أدوات ومجرى للفعل الإلهي ، أصل وجودها من الباري تعالى وقائم به ، كما أنّ القدرة على الفعل التي تتمتّع بها تلك الوسائط هي بالإضافة منه تعالى بدءً واستمراراً ، فهو أقدر منها على تلك القدرة التي أعطاها إيّاها ، فمن ثمّ حقّ أن يقال : إنّ تلك الوسائط ما هي إلّامجرى لتلك الأفعال الصادرة منه تعالى ، وهو معنى أنّها تفعل أفعالها بإذن اللَّه . وكذلك الحال في الحساب والقضاء والحكم يوم الدين ، فإنّه تعالى ليس بجسم ولا جسماني ، ولا بروح ولا روحاني ، ولا بنفس ولا نفساني ، ولا بعقل ولا متعقّل ، فلا يباشر ما تباشره الأجسام ، ولا يتعلّق بما تتعلّق به النفوس ، ولا يرتبط بما ترتبط به الأرواح ، ولا يتقيّد بما تتقيّد به العقول ، إذ أنّ هذه الموجودات تحتاج إلى هذه الملابسات واللوابس في أفعالها ، وهو تعالى لا يتّصف بالنقص والحاجة ، غنيّ بذاته ، فلا يتوهّم واهم أنّ هناك بقعة جغرافيّة وموقع مكانيّ في ساحة الحشر يتّجه إليها أهل المحشر كي يقام عليهم الحساب بتباشر اللَّه معهم ، فإنّ الباري تعالى لا يحدّه حدّ ، ولا يُحاط بمكان ، جلّ عمّا